التقاط الطعام عند الطفل: أول طريق الاستقلال وتنمية المهارات الحركية الدقيقة

 

 

في كثير من البيوت، يُنظر إلى وقت الطعام على أنّه مجرّد لحظة لإشباع الجوع.

لكن في منهج المنتسوري،

يُعدّ الطعام مساحة تعليمية متكاملة،

تبدأ منها أولى ملامح الاستقلال،

وأولى خطوات تنمية المهارات الدقيقة التي سيبني الطفل عليها تعلمه لاحقًا.

 

 

التقاط الطفل لقطع الطعام الصغيرة بيده ليس عبثًا،

ولا فوضى عابرة،

بل هو تدريب عميق على التنسيق العصبي-العضلي،

وعلى فهم جسده، وقدرته، وحدود حركته.

 

متى تبدأ أنشطة تنمية المهارات من خلال الطعام؟

 

تبدأ مبكرًا… أبكر مما نتخيل.

منذ أن يصبح الطفل قادرًا على الجلوس بثبات،

ويُظهر اهتمامًا بالطعام، تبدأ مرحلة الالتقاط بالأصابع.

في هذه المرحلة، لا يحتاج الطفل إلى ملعقة،

ولا إلى تدخل مباشر، بل إلى فرصة حقيقية للمحاولة.

 

 

قطعة طعام صغيرة بين الإبهام والسبابة هي أول تدريب فعلي على:

التحكم في حركة اليد

التنسيق بين العين واليد

إدراك حجم الأشياء وقوتها

التخطيط الحركي البسيط

من الالتقاط إلى الملعقة… ثم إلى ما هو أبعد

 

 

حين نسمح للطفل بالتقاط طعامه بنفسه، فإننا نمهد الطريق طبيعيًا لمرحلة تالية:

يمسك الملعقة

يخطئ

يسكب

يحاول مرة أخرى

هذه السلسلة ليست منفصلة عن بعضها،

بل هي مسار نمو متكامل:

اليد التي تلتقط الطعام، هي نفسها التي ستُمسك القلم لاحقًا.

والطفل الذي تعلّم أن يجرّب دون استعجال أو إنقاذ،

هو طفل مستعد لتعلّم مهارات أكثر تعقيدًا بثقة وهدوء.

 

ماذا يحدث عندما نأخذ هذا الدور من الطفل؟

 

عندما تقوم الأم بإطعام الطفل في كل مرة،

بدافع الخوف أو الاستعجال أو الحفاظ على النظافة،

فإنها – دون قصد – تحرمه من تجربة تعليمية أساسية.

لا يتعلّم الطفل فقط كيف يأكل، بل:

كيف ينسّق حركته

كيف يصبر على المحاولة

كيف يتعامل مع الإحباط البسيط

كيف يثق في قدرته على الإنجاز

الحرمان من هذه المحاولات المتكررة يعني تأخيرًا في بناء مهارات حركية دقيقة،

قد تظهر آثارها لاحقًا في صعوبات مسك القلم، أو ضعف التحكم في اليد.

 

 

فلسفة المنتسوري: اتّباع نمو الطفل لا تسريعه

 

في المنتسوري، لا نُدرّب الطفل قبل أوانه،

ولا نمنعه حين يكون مستعدًا.

نراقب، ونهيّئ البيئة، ثم نبتعد خطوة.

الطعام يُقدَّم:

في قطع مناسبة لحجم يد الطفل

في أدوات آمنة وبسيطة

داخل مساحة واضحة ومحددة

ثم يُترك الطفل ليقود التجربة بنفسه، بينما نكون نحن حاضرين دون تدخل

 

 

الفوضى جزء من التعلم

 

سقوط الطعام، البقع على الملابس…

كلها ليست أخطاء، بل علامات تعلّم حيّ.

حين نقبل هذه المرحلة كما هي، نمنح الطفل رسالة صامتة تقول:

محاولتك أهم من النتيجة.

وهذه الرسالة هي أساس الثقة بالنفس لاحقًا.

 

 

التقاط الطعام ليس مجرد مهارة حركية، بل هو:

تدريب مبكر على الاستقلال

بناء تدريجي للمهارات الدقيقة

تمهيد طبيعي للكتابة والتعلّم المدرسي

مساحة آمنة لاكتشاف الذات والقدرة

وحين نسمح للطفل أن يأكل بيديه…

فنحن في الحقيقة نسمح له أن ينمو كما خُلق لينمو.

 

Pin It on Pinterest